الآلوسي
206
تفسير الآلوسي
ولا قوة وأقوم بحقه * ( أَمْ أَكْفُرُ ) * بأن أجد لنفسي مدخلاً في البين أو اقصر في إقامة مواجبه كما هو شأن سائر النعم الفائضة على العباد ، وأخرج ابن المنذر . وابن جرير عن ابن جريج أن المعنى ليبلوني أأشكر إذا أتيت بالعرش أم أكفر إذا رأيت من هو أدنى مني في الدنيا أعلم مني ، ونقل مثله في " البحر " عن ابن عباس والظاهر عدم صحته ، وأبعد منه عن الصحة ما أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال لما رآه مستقراً عنده جزع وقال : رجل غيري أقدر على ما عند الله عز وجل مني ، ولعل الحق الجزم بكذب ذلك ، وجملة * ( أأشكر ) * الخ في موضع نصب على أنها مفعول ثان لفعل البلوى وهو معلق بالهمزة عنها إجراء له مجرى العلم وإن لم يكن مرادفاً له . وقيل : محله النصب على البدل من الياء * ( وَمَنْ شَكَرَ فَإنَّمَا يَشْكُرُ لنَفْسه ) * أي لنفعها لأنه يربط به القيد ويستجلب المزيد ويحط به عن ذمته عبء الواجب ويتخلص عن وصمة الكفران * ( وَمَنْ كَفَرَ ) * أي لم يشكر * ( فَإنَّ رَبِّي غَنيٌّ ) * عن شكره * ( كَريمٌ ) * بترك تعجيل العقوبة والإنعام مع عدم الشكر أيضاً ، والظاهر أن من شرطية والجملة المقرونة بالفاء جواب الشرط ، وجوز أن يكون الجواب محذوفاً دل عليه ما قبله من قسيمه والمذكور قائم مقامه أي ومن كفر فعلى نفسه أي فضرر كفرانه عليها . وتعقب بأنه لا يناسب قوله : * ( كريم ) * وجوز أيضاً أن تكون من موصولة ودخلت الفاء في الخبر لتضمنها معنى الشرط . * ( قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِىأَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ ) * * ( قَالَ ) * أي سليمان عليه السلام كررت الحكاية مع كون المحكي سابقاً ولاحقاً من كلامه عليه السلام تنبيهاً على ما بين السابق واللاحق من المخالفة لما أن الأول من باب الشكر لله عز وجل والثاني أمر لخدمه * ( نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ) * أي اجعلوه بحيث لا يعرف ولا يكون ذلك إلا بتغييره عما كان عليه من الهيئة والشكل ، ولعل المراد التغيير في الجملة . روي عن ابن عباس . ومجاهد . والضحاك إنه كان بالزيادة فيه والنقص منه ، وقيل : بنزع ما عليه من الجواهر ، وقيل : بجعل أسفله أعلاه ومقدمه مؤخره ، ولام * ( لها ) * للبيان كما في * ( هيت لك ) * فيدل على أنها المرادة خاصة بالتنكير * ( نَنْظُرْ ) * بالجزم على أنه جواب الأمر . وقرأ أبو حيوة بالرفع على الاستئناف * ( أَتَهْتَدي ) * إلى معرفته أو إلى الجواب اللائق بالمقام . وقيل : إلى الإيمان بالله تعالى ورسوله عليه السلام إذا رأت تقدم عرشها وقد خلفته مغلقة عليه الأبواب موكلة عليه الحراس والحجاب وحكاه الطبرسي عن الجبائي ، وفيه أنه لا يظهر مدخلية التنكير في الإيمان * ( أَمْ تَكُونُ ) * أي بالنسبة إلى علمنا * ( منَ الَّذينَ لاَ يَهْتَدُونَ ) * أي إلى ما ذكر من معرفة عرشها أو الجواب اللائق بالمقام فإن كونها في نفس الأمر منهم وإن كان أمراً مستمراً لكن كونها منهم عند سليمان عليه السلام وقومه أمر حادث يظهر بالاختبار . * ( فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ) * * ( فَلَمَّا جَاءَتْ ) * شروع في حكاية التجربة التي قصدها سليمان عليه السلام أي فلما جاءت بلقيس سليمان وقد كان العرش منكراً بين يديه * ( قيلَ ) * أي من جهة سليمان بالذات أو بالوساطة * ( أَهَاكذَا عَرْشُك ) * أي أمثل هذا العرش الذي ترينه عرشك الذي تركتيه ببلادك ، ولم يقل : أهذا عرشك لئلا يكون تلقيناً لها فيفوت ما هو المقصود من الأمر بالتنكير من إبراز العرش في معرض الإشكال والاشتباه حتى يتبين لديه عليه السلام حالها وقد ذكرت عنده عليه السلام بسخافة العقل .